مجمع البحوث الاسلامية
97
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
و « إلى » قريبان يأتي كلّ منهما بدلا من الأخرى ، ويضاف إليه أنّه من أجل إشراب ( الجنوح ) هنا معنى خفض الجناح - كما سبق - وهذا يتعدّى ب « اللّام » مثل وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ . وعن الثّاني : أنّ ( السّلم ) هنا - كما قال الطّوسيّ والطّبرسيّ . ويقتضيه السّياق أيضا - بمعنى المسالمة الملازمة للصّلح ، فإنّ الصّلح يكون دائما بين الطّرفين أو الأطراف ، وقد ذكر الطّرفان في الآية وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ، والثّانية كالإجابة للأولى ، وهذا معنى المسالمة . 6 - أثار الطّوسيّ هنا سؤالا : إذا جازت الهدنة مع الكفّار فهلّا جازت المكافّة في أمر الإمامة حتّى يجوز تسليمها إلى من لا يستحقّها ؟ وأجاب بأنّ تسليم الإمامة إلى غير أهلها فساد في الدّين كفساد تسليم النّبوّة إلى غير أهلها . قلنا : تسليم منصب الإمامة مثل النّبوّة إلى غير أهلهما مستحيل ، لأنّ الإمامة لطف وهبة من اللّه كالنّبوّة ، لا تنتقلان إلى غير من اختاره اللّه لهما . أمّا لو سئل هل يجوز للإمام أن يوكل إدارة أمور النّاس في دنياهم إلى غيره لضرورة تقتضيه ، كما جاز إيكالها في كلّ ناحية إلى حاكم ينوب عنه ، فلا يرد عليه ما ذكر ، وله أمثلة في سيرة عليّ وابنه الحسن عليهما السّلام من وجهة نظر بعض فرق المعتزلة ، وهذا بحث جديد في الحكومة الإسلاميّة من وجهة نظر الشّيعة . ولنا فيه مقال باللّغة الفارسيّة بعنوان « إمام عليّ ووحدت إسلاميّ » والظّاهر أنّها جائزة إذا حكم غيره نيابة عنه بإذنه ، لا غصبا وجبرا أو سيطر عليها ورأى الإمام المصلحة في إبقائه وتأييده كما جاء في بعض الآثار . لاحظ كتاب عليّ عليه السّلام إلى أهل الكوفة قبل حرب صفّين في كتاب « الغارات » لأبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ ج 1 : 307 ، وكتابه إلى معاوية في كتاب « الصّفّين » لنصر بن مزاحم ، ويوجد مثلهما في مصادر أخرى ونظريّة « الولاية العامّة للفقيه » في عصر غيبة الإمام عليه السّلام الّتي آثارها الإمام الخمينيّ وحقّقها بالفعل باسم الجمهوريّة الإسلاميّة تعدّ كنموذج ممّا ذكر أوّلا . ثانيا : جاء ( جناح ) تثنية وجمعا مرّتين بمعناه اللّغويّ الّذي هو الأصل لسائر المعاني ، ففي ( 2 ) وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ نسبة إلى الطّائر ، وفي ( 3 ) جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ نسبة إلى الملائكة . والبحث في كيفيّة أجنحتهم - كما جاء في النّصوص - موكول إلى البحث في حقيقة الملك ، لاحظ « م ل ك : ملائكة » ثالثا : أمر اللّه النّاس في ( 4 - 6 ) بخفض الجناح للوالدين ، وأمر النّبيّ عليه السّلام بخفض جناحه للمؤمنين ، وفيها بحوث : 1 - معظمهم قالوا : إنّه مبالغة في التّواضع ولين الجانب وترك التّجبّر ، وإنّه كناية لطيفة ممّا يقع بين الطّائر وفرخه من الملاطفة والتّرحّم بوجهين : الأوّل : أنّ الطّائر إذا أراد ضمّ فرخه إليه للتّربية خفض له جناحه وأخذ فرخه تحت جناحه ، وأنّه كناية عن حسن التّربية ، فالولد يكفل والديه حال كبرهما ، كما كفلاه حال صغره . وكذا يكفل النّبيّ المؤمنين .